الأصول التاريخية للمرابطين
العصبية القبلية والدعوة الدينية
الأصول التاريخية للمرابطين
العصبية القبلية والدعوة الدينية

موطن القبائل الصحراوية:

ينحدر المرابطون من مجال صحراوي واسع يقابله اليوم موقع موريتانيا ومالي وغانا والنيجير . ويمتد هذا المجال الفسيح من مصب نهر االسنغال وحوضه الأدنى, إلى منحنى النيجر وبحيرة تشاد, ويحده غربا المحيط الأطلنطي , وشمالا مرتفعات الأطلس, وشرقا بلاد الهكار الجزائرية.

وتخترق هذا المجال طرق تجارية لها أهمية قصوى في تجارة القوافل الصحراوية التي تعد العمود الفقري لاقتصاد المنطقة المنطقة طيلة العصرين الوسيط والحديث , وأهم هذه الطرق :

الطريق الممتد من تارودانت نحو نول ووصولا إلى أوليل, وهوالذي يربط بين الغرب والسودان.

والطريق الثاني هو طريق مالي وغانا الممتد من سجلماسة ثم درعة وصولا إلى أوداغشت ثم باقي بلاد السودان وفيه عدة مراكز تجارية مهمة.

القبائل الصنهاجية:

النسابون من الْعَرَب زَعَمُوا أَن صنهاجة وكتامة من حمير خَلفهم الْملك إفريقيش بالمغرب فاستحالت لغتهم إِلَى البربرية وَالتَّحْقِيق خلاف ذَلِك وَأَنَّهُمْ من كنعان بن حام كَسَائِر البربر وَتَحْت صنهاجة قبائل كَثِيرَة تَنْتَهِي إِلَى السّبْعين مِنْهُم لمتونة وكدالة ومسوفة ومسراته ومداسة وَبَنُو وَارِث وَبَنُو دحير وَبَنُو زِيَاد وَبَنُو مُوسَى وَبَنُو فشتال وَغير ذَلِك وَتَحْت هَذِه الْقَبَائِل بطُون وأفخاذ تفوت الْحصْر

ويرجع كثير من المؤرخين أن الحركة المرابطية قامت على أكتاف أربع قبائل صنهاجية ضمن القبائل السبعين السالفة , وهي لمتونة ومسوفة ولمطة وكدالة, وتضيف إليها بعض القبائل جزولة

لماذا اختاروا اللثام؟

قَالَ ابْن خلكان اللثام سنة لَهُم يتوارثونها خلفا عَن سلف وَسبب ذَلِك على مَا قيل إِن حمير كَانَت تتلثم لشدَّة الْحر وَالْبرد تَفْعَلهُ الْخَواص مِنْهُم فَكثر ذَلِك حَتَّى صَار تَفْعَلهُ عامتهم وَقيل كَانَ سَببه أَن قوما من أعدائهم كَانُوا يقصدون غفلتهم إِذا غَابُوا عَن بُيُوتهم فيطرقون الْحَيّ فَيَأْخُذُونَ المَال والحريم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بعض مشايخهم أَن يبعثوا النِّسَاء فِي زِيّ الرِّجَال إِلَى نَاحيَة ويقعدوا هم فِي الْبيُوت مُتَلَثِّمِينَ فِي زِيّ النِّسَاء فَإِذا أَتَاهُم الْعَدو وظنوهم نسَاء خَرجُوا عَلَيْهِم فَفَعَلُوا ذَلِك وثاروا عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُمْ فلزموا اللثام تبركا بِهِ بِمَا حصل لَهُم من الظفر بالعدو.

اللثام والدفاع عن الشرف:

وَقَالَ عز الدّين ابْن الْأَثِير فِي كَامِله مَا مِثَاله وَقيل إِن سَبَب تلثمهم أَن طَائِفَة من لمتونة خَرجُوا مغيرين على عَدو لَهُم فخالفهم الْعَدو إِلَى بُيُوتهم وَلم يكن بهَا إِلَّا الْمَشَايِخ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَلَمَّا تحقق الْمَشَايِخ أَنه الْعَدو أمروا النِّسَاء أَن يلبسن ثِيَاب الرجل ويتلثمن ويضيقنه حَتَّى لَا يعرفن ويلبسن السِّلَاح ففعلن ذَلِك وَتقدم الْمَشَايِخ وَالصبيان أمامهن واستدار النِّسَاء بِالْبُيُوتِ فَلَمَّا أشرف الْعَدو رأى جمعا عَظِيما فَظَنهُ رجَالًا وَقَالُوا هَؤُلَاءِ عِنْد حريمهم يُقَاتلُون عَنْهُن قتال الْمَوْت والرأي أَن نسوق النعم ونمضي فَإِن اتبعونا قاتلناهم خَارِجا عَن حريمهم.

فَبَيْنَمَا هم فِي جمع النعم من المراعي إِذْ أقبل رجال إِلَى الْحَيّ فَبَقيَ الْعَدو بَينهم وَبَين النِّسَاء فَقتلُوا من الْعَدو خلقا كثيرا وَكَانَ من قتل النِّسَاء أَكثر فَمن ذَلِك الْوَقْت جعلُوا اللثام سنة يلازمونه فَلَا يعرف الشَّيْخ من الشَّاب وَلَا يزيلونه لَيْلًا وَلَا نَهَارا

وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو مُحَمَّد بن حَامِد الْكَاتِب:

قوم لَهُم شرف الْعلَا من حمير     وَإِذا انتموا صنهاجة فهم هم

لما حووا إحراز كل فَضِــــيلَة      غلب الْحيَاء عَلَيْهِم فتلثمو

دور العصبية القبلية في توحيد المرابطين

كانت البدية  في قبيلة كدالة على يد زعيمها يحيى بن ابراهيم الكدالي , حيث تحالفت مع لمتونة ذات الرياسة التقليدية في بني ورتنطيق, وإليها ينتسب ابن تيفاوت الذي أحيا ملك صنهاجة بعد اندراسه لمدة عشرين سنة .

وانضمت قبيلة مسوفة لهذا التحالف وهي المشهورة بخبرتها العسكرية, ثم انضمت قبيلة لمطة التي ينتسب إليها الفقيه المشهور وجاج بن زلو اللمطي شيخ ابن ياسين. ( تم تفصيل ذلك في مقالة نشرت في هذا الموقع تحت عنوان : الزعامة الروحية لعبد الله بن ياسين ودورها في توحيد بلاد المغرب )

هذا التحالف الصنهاجي الرباعي وفر للحركة المرابطية عصبية قبلية قوية منحتها البساطة وقوة العزم وسلامة الطبع . وهذا ما سماه ابن خلدون عناصر الخشونة , والتوحش وهي لا تعني الوحشية التي قابل بها بعض المؤرخين المحدثين ما كان في الأندلس من ترف ورقة طبع .

كما أن هذا التحالف  القبلي سيشكل القاعدة البشرية والاجتماعية والعصبية للحركة المرابطية , وسيزداد تماسكا وقوة بتبني الدعوة الياسينية, واتخادها إطارا دعويا وفكريا وإديولوجيا لبناء المشروع المرابطي.

وبذلك توفر للحركة المرابطية كل من العصبية القبلية والدعوة الدينية , وهما العنصران الأساسيان لتكوين الدول حسب نظرية ابن خلدون المشهورة.

 

المراجع :

1 ـ د. عمر أمكاسو

المشروع المرابطي في الأندلس : بين النجاح والإخفاق

الصفحات : 29 ـ 30

الطبع : افريقيا الشرق ـ المغرب

الطبعة : بدون ـ تاريخ الطبع :  2016م

 

2ـ  شهاب الدين أبو العباس بن محمد الناصري

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصا

الجزء : 2 ـ  الصفحات : 3 ـ 4 ـ 5

الناشر : دار الكتب ـ الدار البيضاء

مواضيع أخرى :

الدولة المرابطية

الدولة المرابطية

مرحلة التمكين والتوسع: بعد أن أرست الحركة المرابطية قاعدتها في الصحراء , وسيطرت على جل محاور تجارة القوافل جنوب شرق المغرب, انتقلت في عهد يوسف ابن تاشفين ( 453 ـ 500هـ ) إلى مرحلة جديدة من تاريخها تحولت فيها إلى دولة مترامية الأطراف , حيث مدت نفوذها على كامل المغرب...

حصار الموحدين لمراكش

حصار الموحدين لمراكش

حصار ابن تومرت لمراكش : ابتداء من سنة 516هـ /1122م ضرب ابن تومرت حصارا على مراكش, انطلاقا من جبل جيليز، دام ثلاث سنوات, خلالها "جمع قبائل الموحدين ، وعبأ الجيوش ، وقصد نحو مراكش ، فسار حتى نزل بجبل جيليز قريبا من المدينة ، فأقام به ثلاثة أعوام ، يباكر جيوش لمتونة...

الزعامة الروحية لعبد الله بن ياسين ودورها في توحيد الدولة المغربية

الزعامة الروحية لعبد الله بن ياسين ودورها في توحيد الدولة المغربية

  َسَار يحيى بن إِبْرَاهِيم بِكِتَاب الشَّيْخ أبي عمرَان حَتَّى وصل إِلَى الْفَقِيه وجاج بِمَدِينَة نَفِيس فَسلم عَلَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ الْكتاب وَكَانَ ذَلِك فِي رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَنظر الْفَقِيه واجاج فِي الْكتاب ثمَّ جمع تلامذته فقرأه...

الدولة المرابطية واستكمال توحيد المغرب

الدولة المرابطية واستكمال توحيد المغرب

  شرعية الحكم: لقد اعتمدت الدولة المرابطية من حيث شرعيتها وأحقيتها في الحكم على مصدرين رئيسين: ـ مصدر أخلاقي يتمثل في مجموعة من الشعارات والغايات النبيلة التي رفعتها, كسعيها للقضاء على الفرقة السياسية والتناحر القبلي الذي كان متفشيا في بلاد المغرب, والذي أنكره...

الحركة المرابطية والبحث عن الزعامة الدينية:

الحركة المرابطية والبحث عن الزعامة الدينية:

  أمير القبائل اللمتونية:  قام أبو عبد الله محمد بن تيفاوت فادعى استحقاق الإمارة اللمتونية لمكانته العليا بين سائر رؤوس لمتونة, فانقادت لدعايته الرؤوس وخضعت لرئاسته عظماء صنهاجة, فاجتمعت كلمة القوم على تقديمه فبايعوه على السمع والطاعة, وتوجوه على الرئاسة والإمارة ,...

أغمات

أغمات

المدينة الخضراء: كانت مدينة أغمات في فحص أفيح ، أحسن مكان من الأرض، طيبة التراب ، كثيرة النبات والأعشاب ، تخترقها المياه يمينا وشمالا ، وتطرد بساحتها ليلا ونهارا، معطرة بريح النبات والشجر ، وحولها جنات محدقة ، وعنب ، وبساتين أكثر شجرها الزيتون ، وبها نهر ليس بالكبير...